محمد جمال الدين القاسمي
437
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وسنه . ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف . ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن . وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن . فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير ولا ( آمين ) . ولا غير ذلك . والمصاحف القديمة والتي كتبها أهل العلم ، على هذه الصفة . وفي المصاحف من قد كتب ناسخها أسماء السور والتخميس والتعشير والوقف والابتداء . وكتب في آخر المصحف تصديقه . ودعا وكتب اسمه ونحو ذلك . وليس هذا من القرآن . فهكذا ما في الإنجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلي الحواريين ، ليس هو مما قاله المسيح ، وإنما هو مما رآه من بعده . والذي أنزله اللّه هو ما سمع من المسيح المبلغ عن اللّه . فإن قيل : فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا أن المسيح صلب ، وأنه أتاهم بعد أيام ، وهم الذين نقلوا عن المسيح الإنجيل والدين ، فقد دخلت الشبهة . قيل : الحواريون وكل من نقل عن الأنبياء ، إنما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن الأنبياء ، فإن الحجة في كلام الأنبياء . وما سوى ذلك فموقوف على الحجة . إن كان حقّا قبل وإلّا ردّ . ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من القرآن والحديث يجب قبوله . لا سيما المتواتر ، كالقرآن وكثير من السنن . وأما ما قالوه ، فما أجمعوا عليه فإجماعهم معصوم . وما تنازعوا فيه ، ردّ إلى اللّه والرسول . وعمر قد كان أوّلا أنكر موت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . حتى ردّ ذلك عليه أبو بكر . وقد تنازعوا في دفنه حتى فصل أبو بكر بالحديث « 1 » الذي رواه . وتنازعوا في تجهيز جيش أسامة . وتنازعوا في قتال « 2 » مانعي الزكاة . فلم يكن هذا قادحا فيما نقلوه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . والنصارى
--> ( 1 ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في : الجنائز ، الحديث 27 ونصه : حدثني يحيى عن مالك أنه بلغه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توفي يوم الاثنين ، ودفن يوم الثلاثاء . وصلى عليه الناس أفذاذا . لا يؤمهم أحد . فقال ناس : يدفن عند المنبر . وقال آخرون : يدفن بالبقيع . فجاء أبو بكر الصديق فقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « ما دفن قط نبيّ إلا في مكانه الذي توفي فيه » . فحفر له فيه . فلما كانوا عند غسله ، أرادوا نزع قميصه فسمعوا صوتا يقول : لا تنزعوا القميص . فلم ينزع القميص . وغسّل وهو عليه صلى اللّه عليه وسلم . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الزكاة ، 1 - باب وجوب الزكاة ، حديث 743 و 744 ونصهما : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : لما توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان أبو بكر رضي اللّه عنه . وكفر من كفر من العرب . فقال عمر بن الخطاب : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله . فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحق وحسابه . على الله » ؟ فقال : والله ! لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة . فإن الزكاة حق المال . والله ! لو منعوني عناقا كانوا يؤدّونها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لقاتلتهم على منعها . قال عمر رضي اللّه عنه : فوالله ! ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي اللّه عنه ، فعرفت أنه الحق .